أعلن معنا
oman24.news

السفر والطيران والإجازات في سلطنة عُمان

من الأرشيف

مسؤولية الشركات المجتمعية في عُمان: نحو استثمارات استراتيجية ذات قيمة مضافة

تحول المسؤولية المجتمعية للشركات في عُمان نحو استثمارات استراتيجية ذات قيمة مضافة، تتماشى مع رؤية عُمان 2040 لتعزيز النمو الاقتصادي والاجتماعي المستدام…

Dr Hilal al Sawai
الصورة عبر News

يشهد دور القطاع الخاص في عُمان تحولاً نحو المساهمة في النمو الاقتصادي والاجتماعي المستدام، متجاوزاً بذلك أدواره التقليدية في الاستثمار وتوفير فرص العمل. ويُطرح هذا التحول في سياق دعوات لجعل المسؤولية المجتمعية للشركات (CSR) مصدراً لمنافع اقتصادية واجتماعية طويلة الأمد، بدلاً من اقتصارها على الأنشطة الخيرية أو الرعائية. تتكامل هذه الجهود مع "رؤية عُمان 2040" كهدف وطني شامل. من شأن تحويل المسؤولية المجتمعية للشركات من مجرد نفقات خيرية إلى قيمة وطنية قابلة للقياس أن يعزز الشراكة بين قطاع الأعمال والحكومة والمجتمع بشكل فعال.

تحول المسؤولية المجتمعية نحو القيمة الاقتصادية

وصل الاقتصاد العماني إلى مرحلة تتطلب توجيه المسؤولية المجتمعية للشركات نحو برامج وطنية استراتيجية ذات نتائج قابلة للقياس. يمكن للمسؤولية المجتمعية أن تساهم في دفع أجندة التنويع الاقتصادي في عُمان، مستهدفة قطاعات حيوية مثل الصناعة، السياحة، الخدمات اللوجستية، الثروة السمكية، الزراعة، الطاقة المتجددة، والصناعات الإبداعية والتقنية. يجب أن يستند مستقبل المسؤولية المجتمعية للشركات في عُمان إلى ثلاثة محاور رئيسية: المواءمة مع الأهداف الوطنية، قابلية القياس، والاستدامة لضمان تحقيق أقصى قيمة مضافة. هذا التحول يمثل خطوة أساسية نحو دمج القطاع الخاص بشكل أعمق في مسيرة التنمية الوطنية، مما يعزز من مساهمته في تحقيق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية الشاملة. تتطلب هذه المرحلة الجديدة من المسؤولية المجتمعية رؤية استراتيجية واضحة تضمن تحقيق أثر ملموس ومستدام يتجاوز الأنشطة التقليدية.

تنمية المحتوى المحلي وريادة الأعمال

ترتبط المسؤولية المجتمعية للشركات ارتباطاً وثيقاً بتنمية المحتوى المحلي في سلطنة عُمان، مما يشكل مجالاً حيوياً للنمو. يمكن توجيه مبادرات المسؤولية المجتمعية نحو دعم وتطوير المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر (MSMEs)، بالإضافة إلى الشركات المحلية والطلاب والموردين المحليين داخل سلطنة عُمان. تستطيع الشركات رعاية برامج تدريبية وتقديم المساعدة الفنية، إلى جانب برامج ريادة الأعمال والأدوات الرقمية والقدرات اللازمة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة. من خلال دعم المؤسسات العمانية الصغيرة والمتوسطة عبر التدريب أو الحصول على الشهادات أو التحول الرقمي أو الوصول إلى الأسواق، يمكن خلق فرص عمل جديدة، وتشجيع شراء السلع المحلية، ودفع الابتكار، وفتح آفاق البيع في أسواق التصدير. يعد هذا التوجه محركاً رئيسياً لتعزيز الاقتصاد المحلي، حيث يساهم في بناء قدرات الشركات الناشئة والصغيرة وتزويدها بالموارد اللازمة للنمو والازدهار. إن دعم هذه الفئة من الشركات لا يعزز فقط من قدرتها التنافسية، بل يسهم أيضاً في تنويع القاعدة الاقتصادية للسلطنة وتقليل الاعتماد على قطاعات محددة.

الاستثمار في رأس المال البشري والتعليم

يمثل تطوير رأس المال البشري مجالاً آخر يمكن لبرامج المسؤولية المجتمعية للشركات التركيز عليه، حيث يشمل ذلك تقديم المنح الدراسية والبرامج المهنية، بالإضافة إلى الشهادات الاحترافية. كما يمكن أن تغطي هذه البرامج ريادة الأعمال والمهارات الرقمية والتدريب المتخصص الموجه لمتطلبات وظائف محددة. يهدف هذا التوجه إلى بناء قدرات الأفراد وتزويدهم بالمعرفة والمهارات اللازمة للمساهمة بفاعلية في الاقتصاد الوطني. هذا الاستثمار في الأفراد يضمن إعداد جيل مؤهل يمتلك الكفاءات المطلوبة لسوق العمل المتغير باستمرار.

ويتطلب توجيه أموال المسؤولية المجتمعية للشركات نحو تلبية متطلبات سوق العمل تعاوناً وثيقاً بين الشركات والجامعات ومقدمي التعليم والتدريب المهني والمجتمعات المحلية. يسهم هذا التعاون في تصميم برامج تدريبية وتعليمية تستجيب للاحتياجات الفعلية للقطاعات الاقتصادية المختلفة، مما يضمن أن الاستثمارات في رأس المال البشري تحقق أقصى قيمة مضافة وتدعم التنمية المستدامة في عُمان. هذا التعاون المشترك بين القطاعات الأكاديمية والصناعية والمجتمعية يضمن أن تكون المخرجات التعليمية متوائمة مع احتياجات السوق، مما يقلل من الفجوة بين مخرجات التعليم ومتطلبات الوظائف المتاحة.

الاستدامة والتنمية المتوازنة للمحافظات

يجب تكييف مبادرات المسؤولية المجتمعية للشركات لتلبية احتياجات المجتمعات المختلفة والأولويات على مستوى المحافظات، وذلك بسبب التفاوتات الاقتصادية القائمة. ويمكن لمبادرة وطنية أقوى أن تلهم التعاون بين أصحاب المصلحة وتدفع نحو برامج مسؤولية مجتمعية أكثر مراعاة للبيئة، مع دمج عناصر "رؤية عُمان 2040" والمحتوى المحلي ومعايير الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية (ESG)، بالإضافة إلى أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة. هذه المقاربة تضمن أن تكون الاستثمارات المجتمعية ذات تأثير مستدام وتساهم في التنمية المتوازنة للمناطق المختلفة في سلطنة عُمان. إن تصميم برامج المسؤولية المجتمعية بما يتناسب مع خصوصية كل محافظة يسهم في معالجة التحديات المحلية بشكل فعال، ويعزز من العدالة التنموية في جميع أنحاء السلطنة. كما أن دمج المعايير البيئية والاجتماعية والحوكمة يضمن أن تكون هذه المبادرات شاملة ومستدامة على المدى الطويل، مما يعود بالنفع على البيئة والمجتمع والاقتصاد.

قياس الأثر وتعزيز الشراكة المجتمعية

تضمنت أنشطة المسؤولية المجتمعية للشركات في عُمان على مر السنين تبرعات ونشاطات مجتمعية ودعماً للتعليم والصحة وحملات بيئية ومنظمات خيرية. يُطالب بتجاوز مجرد الإبلاغ عن تكاليف المسؤولية المجتمعية إلى قياس النتائج الفعلية. ينبغي للمؤسسات أن تركز على قياس مخرجات مثل خلق فرص عمل مستدامة، وتأسيس مشاريع مجتمعية، وإنشاء شركات جديدة، وزيادة المشتريات المحلية، وتحسين البيئة، بالإضافة إلى الرفاه الاقتصادي القابل للقياس. هذا التوجه نحو قياس الأثر يضمن أن تكون الموارد المخصصة للمسؤولية المجتمعية مستثمرة بفعالية، وأن تحقق عوائد اجتماعية واقتصادية ملموسة. إن التركيز على النتائج القابلة للقياس يعزز من شفافية هذه المبادرات ومساءلتها، مما يبني الثقة بين الشركات والمجتمعات التي تخدمها.